فيلم السيدة الحديدية من افلام الاوسكار
تغول شهوة السلطة السياسة على حساب ما هو انساني
2012/02/19
العرب اليوم - رسمي محاسنة...
* ما يهمني هو الافكار, وليس المشاعر, لأن ما
نفكر به هو ما سنكون عليه ..جزء من الحوار في فيلم السيدة الحديدية "Iron Lady,
على لسان مارغريت تاتشر , تقولها وهي تطل على مرحلة عاشتها مع الحكم والصراعات
والازمات, وهي تختصر رؤية وأسلوب حكم. تاتشر والتي وفق هذه الرؤية وصلت الى سدة
الحكم, لتأتي بعد أسماء عملاقة حكمت بريطانيا, وتكون المرأة البريطانية الاولى التي
تصل الى الموقع الاول في الحزب والحكومة, فهي ترى في الافكار بداية تشكيل الوقائع
في الارض, فالفكرة كلمة تتحول الى ارادة, يتم تطبيقها في الواقع لتصنع حدثا, ومجمل
هذه الافكار هو مسيرة الانسان في حياته.
* فيلم المرأة الحديدية للمخرجة
فيليديا اليود ليس من افلام السيرة الذاتية بمقدار ما هو عن حقبة زمنية, تشير اليه
من خلال مشهد الاستهلال عندما تقوم السيدة تاتشر, بعد ان تقاعدت من الحكم, بشراء
الحليب من البقالة, وقد تفاجأت بسعر الحليب المرتفع, في اشارة الى اننا نعيش مرحلة
جديدة غير تلك التي عاشتها السيدة الحديدية, بكل عنفوانها وصراعاتها, وارادتها
الحديدية, وكأنها تتحسر عليها, التي وقفت فيها امام أحداث ورجال, دفعتهم جميعا
خلفها, لتتصدر المشهد السياسي, وتؤسس لمرحلة جديدة سميت باسمها.
* تسترجع تاتشر
ملامح طفولتها, ولحظات صعودها الأولى, تعود من واقعها الحالي, السياسية العجوز, في
تداعيات تمر على أهم مفاصل حياة ابنة البقال, وخريجة اكسفورد, ومن ثم الامساك بقوة
على رأس هرم السلطة, تلك الصراعات التي عاشتها, وهيمنة الفكر عليها بعيدا عن
المشاعر, حيث التفكير بعقل بارد, ولا مجال لتأثير العاطفة على القرار, والتصميم على
نقل بريطانيا الى مرحلة جديدة, بعد حالة الاسترخاء التي اعتقدت انها أصابت مفاصل
رجال السياسة فيها . تجدها تواجه الأزمات بجبروت وصلابة, رغم توالي الاضرابات,
والاضطرابات, والهجمات الارهابية, والتفجيرات, والحروب البعيدة, وتعطيل القطاعات,
إلا انها لم تتهاون أبدا, وتوجت ذلك بالقضاء على النقابات, خاصة عمال المناجم, ولم
تتردد بفرض ضريبة ساوت بها بين الغني والفقير . لم تكن الأزمات الداخلية فقط هي
التي واجهتها تاتشر, بل كان هناك توحيد العملة الاوروبية, والاتحاد الاوروبي, حيث
كان موقفها الصلب الذي بررته بأنها غير مضطرة لدفع مصاريف باريس . وكانت الضربة
الاقوى هي حرب جزر الفوكولاند عندما تعاملت مع الأمر بجدية مطلقة, ووجهت ضربة
للارجنتين, وأعادت لبريطانيا هيبتها وسمعتها الدولية.
* شرسة وعنيدة, في حوارها
مع وزير الخارجية الامريكية الكسندر هيج, وكانت اجاباتها التهكمية محرجة للوزير,
واغلقت الباب امامه للحديث عن تصعيدها المبالغ فيه ضد الارجنتين . بذكاء شديد,
عندما ضربت له امثلة من الواقع الجغرافي الامريكي, ومن الوقائع التاريخية
لامريكا.
* الفيلم يحاول أن يقترب اكثر من عالمها الخاص, او ربما انصافها, او
للتعاطف معها, حيث قدمها كأم الى جانب كونها سياسية. وحاول ابراز تلك الجوانب
المتعلقة بطموحها السياسي الذي كان كثيرا ما يطغى على أمومتها, واحتياجات زوجها
وبيتها, حيث كانت لا تجد غضاضة في تقديم مناسبتها المهنية على مناسبتها الاسرية,
وترك اطفالها الذين كانوا يرجونها للبقاء معهم بعد فوزها بالبرلمان, عدا عن ترك
ابنتها تجتاز امتحاناتها وحيدة لأنها مشغولة بالتحضير لزعامة الحزب, وهذا بالطبع
انعكس سلبيا على حياتها الزوجية, حيث لم يتردد زوجها باتهامها انها وضعت اسمها
ونجاحها السياسي في مقدمة سلم أولوياتها على حساب زواجها .
* تزامن صعود نجم
تاتشر مع صعود الهجمات الارهابية, وتضييق الجيش الايرلندي الخناق على الحكومة
البريطانية بالتفجيرات التي وصلت الى مقر الحزب وكادت تودي بحياة تاتشر نفسها. وحرب
الفوكلاند الى جانب المظاهرات والبطالة, والقبضة الحديدية التي واجهت المظاهرات
بها; حيث الضرب والقتل والدماء والجثث, ورغم ذلك لم تتهاون ولم تتراجع, ووقفت في
مواجهة النقابات الى أن اجهضتها وافقدتها قيمتها وتأثيرها في الحياة البريطانية .
وفي مشهد يدل على شخصية واسلوب تفكير تاتشر , حيث كان عمال الكهرباء في حالة اضراب
وكان من الوارد انقطاع الكهرباء في أي لحظة, ففي احدى اجتماعات السيدة, انقطعت
الكهرباء فعلا عن قاعة الاجتماعات, واذ بضوء ينير القاعة ليتفاجأ الجميع بأنه مصباح
يدوي تحمله السيدة في رسالة موجهة للجميع, بأنه ليس هناك أي تأثير لما يقوم به
النقابيون على الحياة البريطانية.
* ورغم كل المشاكل التي تواجهها في الداخل,
إلا أنها كانت من العاملين على اسقاط الاتحاد السوفييتي, وشاهدة على تلك المرحلة
الجديدة في التوازنات العالمية, في شراكة متكافئة لها مع الرئيس الامريكي رونالد
ريغان.
* فيلم المرأة الحديدية, يحمل شحنة انسانية في تلك اللقطة المنبعثة من
صندوق ذكريات تاتشر التي تعود بها من حالة الوهن والضعف والخرف الذي بدأ يصيب عصب
هذه المرأة, واسترجاع ذكريات الطفولة وعنفوان الشباب والطموح, وصعود نجمها السياسي,
إلا أن الموقف من صاحبة المرحلة لن يزحزح اراء المؤيدين لها, والرافضين لسياساتها,
لتبقى سيدة مثيرة للجدل, تعرف كيف تقتنص فرائسها, كما حصل مع زعيم الحزب عندما
وبخته بشدة في اجتماع كبير, لمجرد أنه أخطأ بإملاء احدى كلمات جدول أعمال الاجتماع,
الأمر الذي اضطره الى تقديم استقالته.
* من حيث الاداء, فإنه من الصعب جدا على
الممثل أن يؤدي دور شخصية ما تزال تعيش بين الناس, ويعرفونها جيدا وعايشوا مرحلتها,
واصبح لكل منهم تصوره الخاص عن هذه الشخصية. ومن هنا تأتي اهمية اداء الرائعة ميريل
ستريب التي جسدت دور امرأة هي الأقوى من بين نساء القرن الماضي, في تحولاتها
وطموحاتها, وتعاملها مع العواصف المحيطة بها, واقتحامها لعالم السياسة والرجال
بجرأة غير مسبوقة, وقدرتها على كتم مشاعرها حتى تجاه عائلتها, حيث تتألق ميريل
ستريب في تجسيد لحظات المجد, وقدرتها على اخفاء هواجسها السلبية عند اتخاذ
قراراتها الصعبة, وفي نفس الوقت تماسكها حتى وهي في أواخر عمرها, حيث خطوط الزمن
تفرض شروطها عليها, إلا انها بقيت متمسكة بتلك النبرة القوية, لتضيف ميريل ستريب
دورا جديدا لها الى جانب سجلها الذهبي المميز والمتفرد.
* واستطاعت المخرجة أن
تهرب من نمط السرد التوثيقي لحياة تاتشر, بالتداعيات عبر الفلاش باك من الذاكرة
المتعبة واستحضار مفاصل المجد والصراعات, لتعيد انتاج حياة, وتسليط الضوء على حقبة
زمنية صاخبة. يذكر أن الفيلم من اخراج فيليديا اليود وبطولة ميريل ستريب.
Rasmii`10@yahoo.com
2015-05-25, 10:55 pm من طرف سلطان
» نهفات
2015-05-09, 7:05 pm من طرف سلطان
» أعظم جنود الله
2015-05-09, 6:58 pm من طرف سلطان
» حياتك الدنيا ..هي هكذا
2015-05-09, 6:47 pm من طرف سلطان
» الوردة والفراشة
2015-05-09, 6:37 pm من طرف سلطان
» وفوق كل ذي علم عليم
2015-04-26, 10:19 pm من طرف سلطان
» عشاق الليل
2015-04-26, 9:58 pm من طرف سلطان
» عبد الرحمن الداخل وتاسيس الدولة الحديثة
2015-04-20, 11:02 pm من طرف سلطان
» اشتاقكم
2015-04-19, 9:47 pm من طرف سلطان
» التين ..... الفاكهة الكنز
2015-04-19, 9:33 pm من طرف سلطان